الجصاص

482

أحكام القرآن

وجد الماء خرج من أن يكون طهارة ، ولم يفرق بين أن يكون في الصلاة أو في غيرها ، فإذا بطلت طهارته برؤية الماء لم يجز أن يمضي فيها . وأيضا فقال صلى الله عليه وسلم : " الماء طهور المسلم " وقال صلى الله عليه وسلم : " إذا وجدت الماء فأمسسه جلدك " وفي بعض الألفاظ : " وأمسسه بشرتك " ودلالته على ما وصفنا من وجهين : أحدهما ما ذكرنا من قوله : " التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء " فأخبر بالحال التي يكون التراب فيها طهورا ، وهو أن لا يجد الماء ، ولم يفرق بين حاله قبل الدخول في الصلاة وبعده . فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم خص كونه طهورا بهذه الحال دون غيرها ، فمتى صلى به والماء موجود فهو مصل بغير طهور . والثاني : قوله صلى الله عليه وسلم : " فإذا وجدت الماء فأمسسه جلدك " ولم يفرق بينه قبل الدخول وبعده ، فهو على الحالين يلزمه استعماله متى وجده بظاهر قوله . ويدل عليه اتفاق الجميع على أن وجود الماء بعد التيمم قبل الدخول يمنع الابتداء ، فوجب أن يمنع البناء ، كما أن الحدث لما منع ابتداء الصلاة منع البناء عليها ، إذ كان من شرط صحتهما جميعا الطهارة ، وأيضا فإن كونه في الصلاة لا يمنع لزوم الطهارة ، لأنه لو أحدث فيها لزمته الطهارة ، وكذلك لا يمنع لزوم سائر الفروض التي هي من شروط الصلاة مثل وجود الثوب للعريان ، وعتق الأمة في لزومها تغطية الرأس ، وخروج وقت المسح ، فوجب أن لا يمنع كونه في الصلاة من لزوم الطهارة بالماء عند وجوده . وأيضا لما لم يجز التحريمة بالتيمم مع وجود الماء لأنه يكون فاعلا لجزء من الصلاة بالتيمم مع وجود الماء وكان هذا المعنى موجودا بعد الدخول ، وجب أن يمنع المضي فيها . فإن قيل : لو أحدث جاز البناء عندك إذا توضأ ، ولا تجوز التحريمة بعد الحدث . قيل له : لا فرق بينهما ، لأنه لو فعل جزءا من الصلاة بعد الحدث قبل الطهارة بطلت صلاته ، وإنما نجيز له البناء إذا توضأ وأنت تجيزه قبل الطهارة بالماء . فإن قيل : إنما اختلف حال الصلاة وقبلها في التيمم لسقوط فرض الطلب عنه بدخوله في الصلاة ، لأن كونه فيها ينافي فرض الطلب ، وأما قبل الدخول فيها ففرض الطلب قائم عليه ، فلذلك لزمته الطهارة إذا وجده قبل الدخول . قيل له : أما قولك في لزوم فرض الطلب قبل الدخول فيها ، ففاسد على ما قدمناه فيما سلف . ومع ذلك فلو سلمناه لك لانتقض على أصلك ، وذلك أن بقاء فرض الطلب ينافي صحة الدخول في الصلاة عندك ، فلا يخلو إذا طلب ولم يجد فتيمم أن يكون فرض الطلب قائما عليه أو ساقطا عنه ، فإذا كان فرض الطلب قائما عليه فواجب أن لا يصح دخوله ، إذ كان بقاء فرض الطلب ينافي صحة الصلاة ويمنع صحة التيمم أيضا على أصلك . وإن كان فرض الطلب ساقطا عنه ، فالواجب على قضيتك أن لا يلزمه استعمال الماء إذا وجده بعد التيمم قبل الدخول في